ابن عربي
347
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
بالرجعة في الطلاق ، خرقنا في ذلك ما جاء به أهل اللّه من الاتفاق ، فإنه نكاح جديد ولذلك يحتاج إلى شهود أو ما يقوم مقام الشهود ، من حركة لا تصح إلا من مالك غير مطلق ، وكذا هو عند كل محقق . . . « وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ » [ من يتعدى حدود اللّه فقد ظلم نفسه ] - إشارة - من يتعدى حدود اللّه فقد ظلم نفسه ، لأن لنفسه حدا تقف عنده ، وهي
--> لقبوله العوض ، فكان كالبيع ، والعوض لا يمكن رده لأنه الاستمتاع بوطئها ، فأخذ ذلك منها من أكل المال بالباطل إلا أن تطيب له نفسا بشيء منه ، قال تعالى : ( وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) وذاك الإفضاء لا يصح فيه الرجوع فلا يصح أيضا في المعوّض منه ، ومع هذه الوجوه يسوغ أن يريد بقوله : « وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً » أي كل ما وصل إليها منه من صداق وغيره ، وقوله تعالى : « إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ » يقول : إلا أن يخاف كل واحد منهما أن يتعدى حدود اللّه في معاشرة صاحبه ، المرأة تخاف من النشوز وما في ضمنه ، والرجل يخاف أن يتعدى فيها حد اللّه الذي أمره بالوقوف عنده ، وبالمجموع يجوز الاختلاع بما آتاها « فَإِنْ خِفْتُمْ » الضمير يعود على الحكام أو الذين يفتون في الدين من العلماء ، لئلا يحجروا عليهما ذلك ، وإن لم يكن لهم ذكر ولكن يعرف بقرينة الحال يقول : فإن خفتم « أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ » بالمعاشرة « فَلا جُناحَ » أي لا إثم ولا حرج « عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ » أن تعطيه وأن يأخذ منها ، فإن خافت هي ولم يخف الرجل ذلك فلا حرج عليها في البذل ، ويبقى الرجل فإن نوى بذلك الإحسان إليها في أخذه ذلك ليعصمها مما يخاف من الوقوع فيه من فساد آخرتها ، جاز له أخذه ولا جناح عليه ، وإن طلقها لا إلى عوض فهو أولى به ، وأبرأ لذمته وأرفع للحرج عنه ، وكذلك في الجانب الآخر مثله سواء ، وهذا النوع من فراق يسمى الخلع ، وهو بذل المرأة للرجل العوض على طلاقها ، فإن بذلت كل ما أعطاها عوضا كان خلعا ، وإن كان بعضه كان صلحا ، وإن كان أكثره كان فدية ، وإن كان إسقاطه عنه كان مباداة ، هذا اصطلاح الفقهاء ، وحكم الكل حكم الخلع ، وهل هذا النوع من فراق يسمى طلاقا فيعتد به في الثالثة ؟ أو يكون فسخا فلا يعتد به وتجوز له المراجعة من غير أن تنكح زوجا غيره ؟ وهل تلزمها العدة أم لا ؟ والظاهر أن العدة تلزمها فإن العدة من حكم النكاح لا من حكم الطلاق ، وفي ذلك خلاف بين العلماء ، وإنما رجحنا كون العدة من حكم النكاح لأن غير المدخول بها إذا طلقت لا عدة عليها ، ولو كانت العدة من حكم الطلاق أوجب اللّه العدة عليها ، لأن الطلاق موجود والنكاح غير موجود ، وهذا النوع من الفراق بائن ولا بد ، سواء كان فسخا أو طلاقا ، من أجل ما افتدت به ، وأنه لو ملك رجعتها مع أخذ مالها ارتفعت الفائدة في حقها ، فلا بد أن